الشيخ محمد رشيد رضا
356
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأوقات الطويلة في البطالة واللهو وان كان من المباحات ، وعزم على الجد والتشمير فيما بقي من عمره ، ان عافاه اللّه من مرضه ، حتى عزم على الاستمرار على ترك شرب الدخان ، الذي منعه الطبيب منه في أثناء أخذه بالعلاج ، ولكنه لما عاد إلى مثل ما كان عليه من الصحة على أنها لم تكن سابغة ، عاد كذلك لجميع أعماله وعاداته السابقة ، على أنه تذكر من تلقاء نفسه هذه الآية ( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) وعد ما وقع له شاهدا لها ، ومثالا تعرف به حقيقة تفسيرها ويستنبط من الآية ان الطريقة المثلى لإقامة الناس على صراط الحق والفضيلة انما هي حملهم على ذلك بالعمل والتعويد ، مع التعليم وحسن التلقين ، كما يربى الأطفال في الصغر ، وكما يمرن الرجال على أعمال العسكر ، وان من أكبر الخطأ أن يسمح للاحداث بطاعة شهواتهم واتباع أهوائهم بشبهة تربيتهم على الحرية والاستقلال ، الذي يهديهم إلى الحق والفضيلة بما يفيدهم العلم في سن الرشد من الاقتناع بطريق الاستدلال . أقول إن هذا من أكبر الخطأ - وانا عالم بفضل التربية الاستقلالية ومن الدعاة إليها - لأنه قلما يوجد في الناس من يتبع هواه وشهواته في الصغر ، ثم يرجع عن ذلك كله في الكبر ، بعد ان يصير ملكة وعادة له ، لقيام الدليل عنده على أنه ينافي الحق أو العدل والفضيلة . وانما يقع مثل هذا من افراد من الناس خلقوا مستعدين للحكمة ، بما أوتوا من سلامة الفطرة وقوة العزيمة ، أو من أتباع الرسل في زمن البعثة ، وأكثر البشر مسخرون لعادتهم ، منقادون لما ألفوا في أول نشأتهم ، لا يخالفون ذلك الا قليلا ، يتكلفون المخالفة تكلفا عند عروض ما يقتضي ذلك ، فإذا زال المقتضي عادوا إلى عادهم وشنشنتهم ، وعملوا على سابق شاكلتهم ؛ وانما تربية الصغار على ما عرف من الحق وتقرر من أصول الفضيلة والأدب ، كتربيتهم على النظافة ومراعاة قوانين الصحة ، لا يشترط أن يعرفوا من أول النشأة فائدة ذلك بالدليل والبرهان ، وتأخير تلقينهم هذه الفائدة إلى وقت الاستعداد لها في الكبر لا ينافي تربية الاستقلال ، وأوضح الشواهد والأمثلة المعروفة على ما قلنا فشوّ السكر في أمم الإفرنج ومقلدتهم من الشرقيين ، فان أكثرهم يعلمون انه ضار قبيح ، ولا يكاد يوجد في مئة الألف منهم واحد يتركه ، بعد ان اعتاده وأدمنه ، لا قتناعه بضرره بما